على الأقل

حوار الأنترنيت، التربية، و التعليم. "نصوص" صغيرة من وحي تجربة ما، في مكان ما، بهذا العالم الشاسع. لكي تكون الكلمة دائما شعلة ضمن سفر الأشياء.

الأربعاء,تموز 23, 2008


 
مدونون أم كتاب؟
 
    الإبداع الحقيقي، و الفكر الخلاق، يخترقان الأدوات و التقنيات
و الأجهزة، مثلما هما يخترقان و يتجاوزان كل الأزمنة و الأمكنة.
   ليست الأداة هي التي تخلق الإبداع.
   ليست الواسطة هي التي تصنع الفكر الحقيقي و المفكرين الحقيقيين.
  الكتابة النقية البلورية النابعة من شعلة التجربة و الحياة كانت و ستظل دائما هي الفضاء الحقيقي للتحدي، تحدي الحدود، تحدي الوضعيات الصعبة  القاسية، تحدي المفارقة العبثية و العابثة للحياة، تحدي قسوة الزمن حين يتحول إلى يومية للقهر و الزيف و الالتباس .
   أما الواسطة فهي أداة لعبور الكلمات، لمرور الفكر نحو الآخرين،
و من المؤكد أن الرموز التي تركت للوسائط فرصة أن تصنعها، أن تفرض رمزيتها و أن تشكلها كما تشاء، هذه الرموز لا تثبت كثيرا في المحك القاسي لغربلة الزمن.
 
    هناك من يحاول عبثا إلجام هذه الفسحة التي يتيحها التدوين عبر الأنترنيت،  من خلال نقاشات زائفة منطلقها رقي الكتابة، متناسية أن التدوين يمنح إمكانيات كتابة جديدة، أكثر ارتباطا بالذات، كتابة متحررة من إكراهات الزوايا الصحفية التي طالما سلطت على رقاب المبدعين بغير وجه حق، و من ضغوط و إملاءات لوبيات الثقافة من هنا و هناك، لوبيات طالما تناسلت وعششت في مناخنا الثقافي العربي، تعيث في الأرض هدرا بغير حساب.
 إذا كان للشبكة العنكبوتية من فضل على العالم اليوم ، في كل مكان و في كل سياق، فهو هذه الحرية الكبرى التي أعطتها لكل إنسان ليجد طريقه لنشر أفكاره بطريقته، بمعزل عن مستواه الفكري و الثقافي، و بغض النظر عن حسابات الانتماء لقبيلة ما من قبائل الكلمات ، لأن زمن القبيلة قد ولى بالفعل، و المتشبثون به من كل حدب هم كالمتشبثين بالأوهام.
 الذين كانوا يحرسون الكلمات، كانوا يعلمون، بغض النظر عن الموقـــــع
والانتماء، أن الكلمة المنفلتة من عقال القبيلة، هي كلمة محملة بعقوق ينبغي محاصرته في المهد. ينبغي وأده بالأحرى تجنبا لفتن فعلية أو متوهمة، وتفاديا لمسارات أخرى غير المسار الضيق الذي يحدده متعولمو سيادة آفلة.
  
    من العبث اليوم الدخول في نقاش بلا معنى حول المشروعية لمن؟ للكتابة أم للتدوين؟
    ببساطة لأن الكتابة تدوين دائما، و التدوين مشروع كتابة في بعض أوجهه ، و هو تحدي للكتابة ذاتها في أبعاد أخرى.
   يتحدى التدوين الكتابة التي صيغت و تصاغ على هذا النمط المشيخي أو ذاك.
لا معنى للمشيخة اليوم، بالمعنى الصنمي للكلمة، مع أن المشيخة المفتوحة و المنفتحة، المشيخة المراجعة لأدواتها و مبادئها و مناهجها، هي طبعا آلية مفتوحة للعمل ، هي مشروع عمل نعتز به طبعا خارج تضييقات الضبط و التأويل المبتذل.
 و لا معنى اليوم أيضا للتخندق في الأبراج التقليدية لنرجسيات من زجاج.
 لا معنى لحراسة الكلمات و ضبط الأنفاس في عصر العولمة.
 لا معنى للتشبث بحدود لم تعد راسخة إلا في أذهان من أعمتهم سيادات مشروخة عن رؤية حقيقة جريان السيل الجارف للأشياء.
 لا معنى اليوم للمنع. و لا معنى للتدجين و التطويع .
 
   العالم اليوم يعيش انطلاقات جديدة، حيث بوسع كل إنسان أن يكتب و ينشر و يبدع و يتواصل و يعبر عن ذاته و محيطه و ثقافته و تجربته في الحياة بالشكل المناسب له.
   و مسئولية الكتابة تغدو هنا أكثر ضخامة و قوة مما كان عليه الأمر في الماضي.
الكتابة في أي مكان. في اللامكان الواسع و الشاسع للأسئلة الصعبة المتناثرة.
الكتابة اليوم مسئولية مضاعفة تتكاثف إلحاحيتها باضطراد.
   و التدوين قناة جديدة لخروج الكتابة من رفوف و أروقة النخبويات الكلاسيكية لارتياد آفاق جديدة، مفتوحة على كل الإمكانيات، لبلورة مسارات جديدة، بصيغة الجمع المتعدد، الذي تنصهر الذات بداخله في مناخات أكثر خصوبة، و أكثر إنتاجية و عطاء للقلب و الروح.
    و إذا كان صحيحا أن العديد مما يكتب ضمن مساحات التدوين المنفتحة لا يرقى اليوم إلى المستوى المطلوب لهذا السبب أو ذاك، فهذه في العمق ليست مشكلة، لأن الأمور كلها تحل عبر الزمن، و حده المنع لا معنى له اليوم، لأن المنع أسلوب العاجزين عن مسايرة ركب لم يعد حكرا لأحد. و تلك ربما هي المشكلة الأكبر.